دخل الشاب الفتي «مسلم» المسجد قبيل أذان المغرب بساعة، ووجهه مستبشِر، وقد أسرع الخطى نحو شيخه الوقور «الشيخ هادي» الذي كان جالساً مسنداً ظهره إلى أحد أعمدة المسجد. وكان ضوء الشمس الهادئ بعد العصر يتخلل نوافذ المسجد المزخرفة بالزخارف الهندسية الإسلامية، ملقياً بظلاله على الأرضية بجانب الشيخ وهو يقرأ في مصحفه؛ مما أضفى على المكان جمالاً فوق جمال، وزاده سكينة وبهاءً.
رفع الشيخ عينيه إلى تلميذه متبسماً وهو ينظر إلى بشاشة وجهه واستبشاره الذي يحوي الكثير من الكلام، وتابعه بعينه حتى جلس بجواره، فبادره «مسلم» بالسلام:
— سلام الله عليك ورحمته وبركاته شيخي الحبيب.
فرد الشيخ متبسماً:
— وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيف حالك يا بني؟
فرد «مسلم» مبتهجاً:
— بخير والحمد لله، منذ ليلة أمس وأنا في غاية السعادة.
ازداد وجه الشيخ إشراقاً وقال:
— أدام الله عليك نعمه ظاهرة وباطنة، خير بإذن الله، بَشِّرْنِي بَشَّرَكَ اللهُ بِالْخَيْرِ.
رد «مسلم» وقد ملأت السكينة وجهه وكلماته:
— وأنا في جلسة الذكر الخاصة بي ليلة أمس، شعرت بلذة عجيبة للذكر ومناجاة ربي، ووجدت حباً يملأني وشوقاً لربي لم أشعر به من قبل. استغرقني هذا الشعور حتى فاضت عيناي، فتذكرت قول النبي ﷺ عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «…وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»، فَاسْتَبْشَرْتُ وامتلأ قلبي سعادة لم تفارقني من وقتها.
رد الشيخ بصوت حانٍ ونظرات أكثر حناناً:
— تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكَ يَا بُنَيَّ وَنَفَعَكَ بِذِكْرِهِ، وأدام سعادتك في الدارين بتمام لطفه وعافيته.
سأل «مسلم» متلهفاً:
— هل أكون بذلك قد وصلت لمقام المحبين يا شيخي؟ وهل أنتظر حب الله لي في المقابل؟
رد الشيخ بعطف ورفق وبوجه باسم:
— وفيم الانتظار يا بني؟ فقد جاءك ما تبغي بالفعل. أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ، وَافْهَمْ عَنْ رَبِّكَ الْوَدُودِ؛ احتسب ما وفقك الله إليه من ذكر وخشوع وأنس بعبادته ومناجاته، استمتع به واشكره عليه.. واعلم أنه:
«إِذَا ذَاقَ قَلْبُكَ يَوْماً حُبَّ اللهِ.. فَأَبْشِرْ؛ فَمَا أَحْبَبْتَهُ إِلَّا لِأَنَّهُ أَحَبَّكَ، أَحَبَّكَ سُبْحَانَهُ قَبْلَ أَنْ تُحِبَّهُ، فَالْعَبْدُ لَا يَسْبَقُ رَبَّهُ أَبَداً».
هل فهمت يا بني؟
اندهش «مسلم» من المعلومة للوهلة الأولى؛ فقد ظن أنه يعبد ربه فيثيبه ربه، ولم يلتفت يوماً إلى هذا المعنى: أن العبد لا يسبق ربه، وأن العبادة فضل من الله يجريه على العبد ويوفقه إليه، ثم يثيبه بمحض كرمه عليها.
فأكمل سائلاً:
— إذن، أنا محبوب عند الله؟
فرد الشيخ وهو يربت على كتفه:
— نحسن الظن بالله ونرجو ذلك، ولنا في حبنا له سبحانه خير شاهد؛ فإن لم يكن يحبنا، ما رزقنا حبه.
هنا سأل «مسلم» شيخه:
— وماذا عليّ أن أفعل حتى يستمر حب الله في قلبي بل يزيد يا شيخي؟
رد عليه الشيخ في خشوع من سلك الطريق قبل مريده:
— أكثر من ذكر محبوبك يا بني؛ «مَنْ أَحَبَّ شَيْئاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ»، ولنا في وصية الحبيب ﷺ خير دليل، حينما سأله رجل فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال ﷺ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ».
فأومأ «مسلم» برأسه إيجاباً لشيخه آخذاً بنصيحته، فأخذ الشيخ بيده يربت عليها، ويتكأ عليها وهو يقوم من جلسته قائلاً:
— قُمْ بِنَا لِنَسْتَعِدَّ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَقَدْ قَرُبَ وَقْتُهَا، وَنُكْمِلُ —إِنْ شَاءَ اللَّهُ— بَعْدَ الصَّلَاةِ حَدِيثَنَا.