02: حُبُّ اللهِ مِنْ فَضْلِ اللهِ، وَفَضْلُ اللهِ لَا آخِرَ لَهُ وَلَا حَدّ

بعد صلاة المغرب، جلس «الشيخ هادي» و«مسلم» أمام المحراب يكملان حديثهما في أنوار المسجد الكهربائية المتلألئة، بعد أن غربت الشمس.

بدأ «مسلم» الحديث قائلاً:
— أخبرتني يا شيخي أنه لكي يزيد الحب في قلبي ويبقى، يجب أن أُكثِر من ذِكر الله؟

رد «الشيخ هادي»:
— أحسنت يا بني، أن تُكثِر من ذِكر الله، وليس فقط الذِّكر. نعم، الذِّكر له فضل وثواب وأثر بالتأكيد، لكن الإكثار منه هو الأمر الرباني؛ فالله لم يأمرنا أن نُكثِر من عبادة إلا ذِكره سبحانه وتعالى، قال الله تعالى في كتابه الكريم في سورة الأحزاب: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41 – 42].

وقال حبيبنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ»، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ». فالإكثار يا بني من ذِكر الله هو السِّر، سِرُّ التَّرَقِّي وَالفُتُوحَاتِ.

فعاد «مسلم» يكمل بعد جواب الشيخ:
— ولكن لدي سؤال آخر بخصوص ما شعرت به في قلبي، من لذة المناجاة وشعور القرب هذا, أريد أن أفهمه قبل أن نستفيض في الذِّكر وكثرته.

رد الشيخ:
— تفضل يا بني.

أكمل «مسلم» حديثه قائلاً:
— حب الله لي وحبي لله، بهذا الترتيب، لأنك علمتني مشكوراً أن العبد لا يسبق ربه، فحبه سبحانه سابق لحبي له. هذا الحب، إلى أي مدى سيكون؟ إلى أي حد سيزيد؟

تبسم «الشيخ هادي» وقد استنار وجهه:
— «إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ يَا مُسْلِمُ». حب الله من فضل الله، وَفَضْلُ اللهِ لَا آخِرَ لَهُ وَلَا حَدّ، ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿لَهُم مَّايَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ﴾ [ق: 35]؟

رد «مسلم» متعجباً:
— وطالما أن الله يحبنا، ونحن نحبه، ففيمَ العمل؟

هز الشيخ رأسه هز الفقيه العارف بالله، وأجاب قائلاً:
— نحن نعمل ونجتهد في الوصول إلى الله تَعَبُّداً؛ أي لأن الله أمرنا بهذا يا بني، والآية صريحة في كتابه العزيز تظهر حكمته سبحانه من خلقنا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

أومأ «مسلم» برأسه مؤمناً مُسَلِّماً لأمر ربه وهو ينظر إلى شيخه الذي أكمل:
— وفي هذا نتنافس يا مسلم، بل نحن مأمورون بالتنافس المحمود هذا، فقد أمرنا الله تعالى في كتابه: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].

هنا تساءل «مسلم» قائلاً:
— وفيمَ نتنافس؟

أجابه شيخه بوله العارفين ونبرة صوت تظهر تعلقه بالإله:
— في الترقي والصدق يا بني.. «صِدْقِ المَحَبَّةِ»

سأل «مسلم» مستغرباً العبارة:
— صِدْقِ المَحَبَّةِ؟

فرد «الشيخ هادي»:
— نعم يا بني، الكل يحب ربه، ولكن ليس بنفس الدرجة، فالمحبون متفاوتون في صدق محبتهم.

هنا سأل «مسلم» شيخه:
— وما علامة صدق المحبة؟

فأجاب الشيخ مباشرة:
— «تَرْكُ الهَوَى يَا بُنَيَّ»، أن تقدم مراد الله على مرادك، هذا دليل المحبة وصدقها. ألم تسمع رد الحسن البصري عن سؤال عمر بن عبد العزيز حين أرسل إليه عمر رسالة فيها طلب واحد: “عظني وأوجز”؟ فرد عليه الحسن البصري بعبارة واحدة: «اعْصِ هَوَاكَ، وَالسَّلَامُ».

رفع «مسلم» حاجبيه مندهشاً من قصر الجواب وبلاغته، فأكمل الشيخ حديثه:
— هواك في النوم عن صلاة الفجر، لا في القيام لها. وهواك في إطلاق بصرك على محارم الله، لا في غض البصر عنها. والمحب يُقدّم مراد ربه على هواه، حتى تنصلح نفسه وتترقى.

فأكمل «مسلم» مستدِركاً على حديث شيخه:
— وكثرة ذكر الله هي ما ستعينني على هذا؟ يربيني الله بها ويرقيني ويعينني على تطويع نفسي لمراده؟ أليس كذلك؟

ابتهج الشيخ بكلام مريده فقال فرحاً:
— فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ فُتُوحَ العَارِفِينَ بِهِ، أصبت عين الحقيقة.

بينما هما يتحدثان، دخل رجل المسجد، وسار خلال صحنه الذي فرغ من المصلين بعد صلاة المغرب، حتى وصل إليهما وسأل عن مكان الوضوء، فأشار الشيخ إلى سُلَّم في زاوية المسجد يُفضي إلى دورات المياه وأماكن الوضوء، قائلاً:
— هناك يا أخي، السُّلَّم بجانب غرفة خادم المسجد، خُذني معك لأجدد وضوئي.

ثم نظر إلى «مسلم» مبتسماً:
— أستأذنك يا بني، دقائق وأعود لنكمل حديثنا عن محبة الله وذكره، عَلَّ المَلَائِكَةَ تَحُفُّنَا وَتَذْكُرُنَا عِنْدَ رَبِّنَا بِالخَيْرِ.

فتبسّم «مسلم» قائلاً:
— في انتظارك يا شيخي.

4 رأي حول “02: حُبُّ اللهِ مِنْ فَضْلِ اللهِ، وَفَضْلُ اللهِ لَا آخِرَ لَهُ وَلَا حَدّ”

أضف تعليق